السيد محمد حسين فضل الله

66

من وحي القرآن

وطبيعتها ، واحترامه لحدود اللّه عند ذبحها لتكون كاملة غير منقوصة . . وفي ذلك دليل على التقوى التي تكمن في عمق الإنسان الذي يستشعر عظمة اللّه ويخشع له في حركة العبادة في الداخل ، لتتحول إلى تقوى في العمل الذي هو التجسيد الحيّ للمعنى الإيمانيّ الروحي في الخارج . . وبذلك كانت العبادة في الإسلام معنى لا يتحدد في الشكل ، بما يمثله من صورة ظاهرة ذات ملامح خاصة ، بل يمتد إلى المعنى الداخلي الذي يعيش في المضمون على مستوى التصور في الفكر ، والخشوع في الشعور ، والخفقة في الروح ، ليتعمّق الحضور الإلهي في وعي الإنسان ، بالإضافة إلى حضوره في حركة الواقع ، ليجتمع له تقوى القلب والجسد ، وليتكامل الموقف من خلالهما في تقوى الحياة كلها . لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى في إشارة إلى ذبائح الحجّ التي يعدّها الحاج للهدي يوم النحر امتثالا لأمر اللّه ، فله أن ينتفع بلبنها وبركوبها إلى الوقت المحدد للذبح أو النحر ، فإن إعدادها للهدي لا يجعلها محرّمة عليه قبل ذلك ، لأنها تكون ملكا له ، لا مانع من تصرفه بها بما لا ينافي تقديمها للّه في العبادة . . وقد جاء في الحديث أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مرّ برجل يسوق بدنة وهو في جهد ، فقال عليه السلام : اركبها . قال الرجل : يا رسول اللّه إنها هدي ، فقال : اركبها ويلك « 1 » . ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ وهو البيت الحرام الذي يشمل الحرم كله ، وهو أرض الحرام ، ومنها منى ، التي تذبح فيها الأنعام للهدي .

--> ( 1 ) تفسير الرازي ، م : 12 ، ج : 23 ، ص : 33 .